الجصاص

551

أحكام القرآن

قال أبو بكر : لا خلاف أنه إذا كان ذلك العضو من الجاني باقيا ، لم يكن للمجني عليه استيفاء القصاص من غيره ولا يعدو ما قابله من عضو الجاني إلى غيره مما بإزائه وإن تراضيا به ، فدل ذلك على أن المراد بقوله تعالى : ( والعين بالعين ) إلى آخر الآية ، استيفاء مثله مما يقابله من الجاني ، فغير جائز إذا كان كذلك أن يعتدى إلى غيره ، سواء كان مثله موجودا من الجاني أو معدوما ، ألا ترى أنه إذا لم يكن له أن يعدو اليد إلى الرجل لم يختلف حكمه أن تكون يد الجاني موجودة أو معدومة في امتناع تعديه إلى الرجل ؟ وأيضا فإن القصاص استيفاء المثل ، وليست هذه الأعضاء مماثلة ، فغير جائز أن يستوعبها . ولم يختلفوا أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء وأن الشلاء تؤخذ بالصحيحة ، وذلك لقوله تعالى : ( والجروح قصاص ) ، وفي أخذ الصحيحة بالشلاء استيفاء أكثر مما قطع ، وأما أخذ الشلاء بالصحيحة فهو جائز ، لأنه رضي بدون حقه . واختلف في القصاص في العظم ، فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد : " لا قصاص في عظم ما خلا السن " . وقال الليث والشافعي مثل ذلك ، ولم يستثنيا السن . وقال ابن القاسم عن مالك : عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان منها مجوفا مثل الفخذ وما أشبهه فلا قود فيه ، وليس في الهاشمة قود وكذلك المنقلة ، وفي الذراعين والعضد والساقين والقدمين والكعبين والأصابع إذا كسرت ففيها القصاص " . وقال الأوزاعي : " ليس في المأمومة قصاص " . قال أبو بكر : لما اتفقوا على نفي القصاص في عظم الرأس كذلك سائر العظام ، وقال الله تعالى : ( والجروح قصاص ) ، وذلك غير ممكن في العظام . وروى حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن الزبير : أنه اقتص من مأمومة ، فأنكر ذلك عليه ، ومعلوم أن المنكرين كانوا الصحابة . ولا خلاف أيضا أنه لو ضرب أذنه فيبست أنه لا يضرب أذنه حتى تيبس ، لأنه لا يوقف على مقدار جنايته ، فكذلك العظام . وقد بينا وجوب القصاص في السن فيما تقدم . قوله تعالى : ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) روي عن عبد الله بن عمر والحسن وقتادة وإبراهيم رواية والشعبي رواية : " أنها كفارة لولي القتيل وللمجروح إذا عفوا " . وقال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم رواية والشعبي رواية : " هو كفارة للجاني " كأنهم جعلوه بمنزله المستوفي لحقه ، ويكون الجاني كأنه لم يجن . وهذا محمول على أن الجاني تاب من جنايته ، لأنه لو كان مصرا عليه فعقوبته عند الله فيما ارتكب من نهيه قائمة . والقول الأول هو الصحيح ، لأن قوله تعالى راجع إلى المذكور ، وهو قوله : ( فمن تصدق به ) فالكفارة واقعة لمن تصدق ، ومعناه كفارة لذنوبه .